ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
185
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
أما ترى في قوله تعالى : فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً [ الأنبياء : 79 ] إنه خصّ سليمان عليه السلام بالفهم ، وإن أوتي داود عليه السلام فصل الخطاب فسليمان أوتي الفهم وبالفهم اجتهد ، وأصاب في حكم الحرث : إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ [ الأنبياء : 78 ] ، فافهم . فإن ما كل من رزق علما كان صاحب فهم ، فالفهم درجة عليا بحسب ما يقتضي استعمال ذلك المعقول المعلوم ، فأرباب الفهم أصحاب لب ، وبالفهم عن اللّه تعالى يقع التفاضل بين العلماء باللّه . ورد عن سيد الأولياء علي المرتضى رضي اللّه عنه أنه قال : إن الوحي قد انقطع فما بقي منه إلا الفهم في القرآن وهو فتح عين فهمه في القرآن وذلك ليس بشرع جديد ، بل هو فهم جديد في الكتاب والسنّة ، ولم يكن غيره فهم هذا منهما ، فللرسل صلوات اللّه عليهم العلم ، ولنا الفهم وهو علم خاص ذكره رضي اللّه عنه في الباب الثالث عشر وثلاثمائة من « الفتوحات » . ( مجمل القول ) فما عند اللّه إجمال كما أنه ليس في الأعيان الممكنات إجمال ، بل الأمر كله في نفسه وفي علم اللّه مفصّل ، وإنما وقع الإجمال عندنا وفي حقّنا وفينا ظهر ، فمن كشف التفصيل في عين الإجمال علما أو عينا أو حقا فذلك الذي أعطاه
--> - وذلك كله يرجع إلى الحاصل الموجود عنده قبل وجود التوجه والاعتقاد ، وبالجملة يقبل الزيادة ، ويجاهد شيطان الإضافة ، ويتعب في جهدها بالإضافة ، ويطلب الخلاص من مكابدة وهم العادة ؛ وكأنه يحارب الباطل ، ويترك طور شهوده في حق حقيقته ، ويترك الطور العامل هو العاطي ، ويجد الفصل : هو الطالع من القضايا الوجودية والآفل . وجوهره مع ذلك كله ؛ يخبر بالرفيع والنازل ، ولسان حاله بوجود الغيرية والإضافة قائل ، وللصورة المتممة المذكورة قبل غير قائل ، فاعلم ذلك ، واعمل على تحصيل القسم الأول بالحكمة الأولى ؛ فهي عين الخبر ، والصبر على الثبوت فيها بمدافعة غيرها من محله سر الأثر .